إن دروس الحياة لا تنقضي عجائبها، ولا تتوقف ساعة من نهار أو ليل، فهي كل يوم تعطيك درسا جديدا مختلف عن ذي قبل، درس في عجائب قدرة الإنسان على التغيير والتبديل، على التحول من النقيض إلى النقيض في لحظة، ومن أجل شيء، ربما يكون تافها لا يحسب له حساب، أو جاد كل الجدة. تقضي عمرك بأكلمه وأنت في مرحلة التعليم، التلقي عن الدنيا العريضة الواسعة، إن القوانين لا تستطيع أن تحكم شعور الناس، ربما ترهب الكثيرين، ولكنها لا تضع شعور الإنسان في قالب ومن ثم تخرج لنا بقانون يحسم الجدل القائم حوله، إنها قوانين افتراضية من كثرة الملاحظة، ولكنها ليست حاسمة قاطعة حتى عن الذين أُخذت من ملاحظتهم، ووضعهم تحت التجربة سنوات أو حتى قرون، حين تلاحظ جيل بعد جيل، فليس شعور الإنسان هو فقط من يتغير، وإنما كل ما يحيط به، حركة الزمن التي لا تتوقف، حركة الكون المستمرة هي من تجعل الوقوف أمر مستحيل، فلماذا يقف الإنسان تقف مشاعره عند حد أو قانون يقيد حركتها، ويصدر حكما عليها يصبه في نطاق معين لا تخرج منه أبدا. حركة الزمن هي حركة الحياة، هي حركة الشعور الإنساني فلا مجال إلا للتوازن بين الحركة وبين أفعال الناس، فطالما هي متحركة، فيجب أن تتغير حركة الكائنات وانطباعاتها وأخلاقها، فهي سلسلة لا أخر لها، تقطع مسافات يومية، فهي تتبع ثم تضيف، تندثر أشياء كما تتجدد أشياء، وهي قائمة تقطع المسافات المقدر لها أن تقطعها بلا توقف، فمشاعر الإنسان تخوض هذا الصراع من أجل أن تظل تسير، تصطدم ثم تتعافى لتعود فتصدم مرة أخرى، ولكنها لا تملك رفاهية الوقوف أبدا، قد تسير ببطيء شديد عند فرد أو أفراد أو جماعات صغيرة، لكنها لا تتوقف اطلاقا، فلو توقفت، فمعنى ذلك أن الحياة ذاتها تتوقف، والوجود المحيط، وهذا شيء مستحيل عقلا وشعورا، فهي تراكمات لا أحد ينكرها وينكر أثرها في الحياة على العموم، وفي حياة كل فرد على حدا، فكل إنسان له تجاربه الشخصية، التي يتلقها من الحياة، قد تتفاوت من شخص لأخر، ولكنها تعد هي الذخير التي تحدد مدى قوة الشخص من ضعفه، فهي التي تصنع الإنسان، قوة وضعفا، وهي التي تملي عليه كثير من مواقفه ونشاطه، وهي أيضا التي تملي على أمة كاملة، موقف معين تجاه قضية ما، وهي التي تكشف مدى حركة الزمن والشعور في حياتهم، وكلما كان ركيزتها الأولى على الوقوف بصلابة تجاه كل متغير وكل حركة، كلما كان الأمر أخطر، وقد يتفاقم حتى يشبه المرض الخطير، الذي يودي بحياتها أو يجعلها في ذيل قائمة البشر، فالدروس تتغير والتجارب تتوالى، ولكن يبقى درس الحركة، هو الدرس الأول الذي يجب أن يتعاطاه الناس، أن لا ثبات، والدنيا في حركة دائمة، لا ثبات والمشاعر الإنسانية قائمة على ذلك القانون الأبدي، فلا تجعل نفسك تقف وإن توقفت قدماك من ضعف أو شلل أو كبر في السن.
فالموت هو الشيء الوحيد، الذي يجعلك جثة هامدة لا حراك لها وأنت حينئذ، لست أنت لست حيا كي تسير على خطى الأحياء من بني البشر أو أي كائن تدب فيه الحياة.